السيد عباس علي الموسوي

248

شرح نهج البلاغة

والاعتصام بحبله . وأيّ سبب أوثق من سبب بينك وبين اللّه إن أنت أخذت به . أحي قلبك بالموعظة ، وأمته بالزّهادة ، وقوهّ باليقين ، ونورّه بالحكمة ، وذللّه بذكر الموت ، وقررّه بالفناء ، وبصرّه فجائع الدّنيا ، وحذرّه صولة الدّهر وفحش تقلّب الّليالي والأيّام ، واعرض عليه أخبار المّاضين ، وذكرّه بما أصاب من كان قبلك من الأوّلين ، وسر في ديارهم وآثارهم ، فانظر فيما فعلوا وعمّا انتقلوا ، وأين حلّوا ونزلوا فإنّك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبّة ، وحلّوا ديار الغربة ، وكأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم . فأصلح مثواك ، ولا تبع آخرتك بدنياك ، ودع القول فيما لا تعرف ، والخطاب فيما لم تكلّف . وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته ، فإنّ الكفّ عند حيرة الضّلال خير من ركوب الأهوال . وأمر بالمعروف تكن من أهله ، وأنكر المنكر بيدك ولسانك ، وباين من فعله بجهدك ، وجاهد في اللّه حقّ جهاده ، ولا تأخذك في اللّه لومة لائم . وخض الغمرات للحقّ حيث كان ، وتفقهّ في الدّين ، وعوّد نفسك التّصبّر على المكروه ، ونعم الخلق التّصبر في الحقّ وألجيء نفسك في أمورك كلّها إلى إلهك ، فإنّك تلجئها إلى كهف حريز ، ومانع عزيز . وأخلص في المسألة لربّك ، فإنّ بيده العطاء والحرمان ، وأكثر الاستخارة ، وتفهّم وصيّتي ، ولا تذهبنّ عنك صفحا ، فإنّ خير القول ما نفع . واعلم أنهّ لا خير في علم لا ينفع ، ولا ينتفع بعلم لا يحقّ تعلمّه . أي بنيّ ، إنّي لمّا رأيتني قد بلغت سنّا ، ورأيتني أزداد وهنا ، بادرت بوصيّتي إليك ، وأوردت خصالا منها قبل أن يعجل بي أجلي